أبي منصور الماتريدي
406
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم اختلفوا بعد هذا : فمنهم « 1 » : من يحمله على التحقيق ؛ فيزعم أن النفخة الأولى يهلك بها الخلق ، والنفخة الثانية يحيا بها الخلق . ومنهم من ذكر أن النفخات ثلاث « 2 » : فالنفخة الأولى ؛ للتفزيع والتهويل ؛ قال الله - تعالى - : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ . . . الآية [ الحج : 1 ، 2 ] ، والنفخة الثانية يهلك بها الخلق بقوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . . . الآية [ النمل : 87 ] ، والنفخة الثالثة يحيا بها الخلق بقوله : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 68 ] . ومنهم من ذكر أن هذا ليس على تحقيق النفخ ؛ بل على التمثيل ، فمثل به إما لخفة البعث والإحياء على الله - تعالى - وسهولته كخفة النفخ على النافخ . أو مثل به ؛ لسرعته ؛ كما قال تعالى : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [ النحل : 77 ] . وقالوا : الرجفة : هي الزلزلة ، والتحرك ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ وهي الزلزلة الأخرى . ثم إن كان القسم على إثبات البعث ، ففيها ذكر إشارة إلى أحوال البعث وأفعالها ، وإن كان موجفة ، على قوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ . قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فكأنهم سألوا : كيف تكون القلوب في ذلك اليوم ؟ فقال : تكون واجفة ، والواجفة : الخائفة الوجلة . وقوله - عزّ وجل - : أَبْصارُها خاشِعَةٌ ، أي : ذليلة . ووجه تخصيص الأبصار والقلوب - والله أعلم - : هو أنه لا يتهيأ لأحد استعمال قلبه وبصره ، بل يحدث للقلوب فكر وبدوات لا يمكنه أن يدفع « 3 » عنها الفكر ، وكذلك هذا في البصر ؛ فيخبر أن ما نزل بهم من الخوف والهيبة يمنع « 4 » القلوب والأبصار عن عملها ؛ فلا تنظر إلا إلى الداعي ، ولا يحدث للقلوب فكر ، بل تكون الأفئدة هواء ، لا تقر ؛ لشدة ما حل بها [ من الخوف ] « 5 » ؛ إذ « 6 » المرء إذا أحزنه أمر فهو يعمل أنواعا من الحيل ويوقع
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 36199 ، 36200 ) ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق علي عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 510 ) . ( 2 ) روي في معناه حديث عن أبي هريرة أخرجه ابن جرير عنه ( 36203 ) . ( 3 ) في ب : يرفع . ( 4 ) في ب : منع . ( 5 ) في ب : والثاني . ( 6 ) في أ : أن .